ابن كثير

187

البداية والنهاية

وقال الواقدي : كان الوليد جبارا ذا سطوة شديدة لا يتوقف إذا غضب ، لجوجا كثير الاكل والجماع مطلاقا ، يقال إنه تزوج ثلاثا وستين امرأة غير الإماء . قلت : يراد بهذا الوليد بن يزيد الفاسق لا الوليد بن عبد الملك باني الجامع والله أعلم . قلت : بنى الوليد الجامع على الوجه الذي ذكرنا فلم يكن له في الدنيا نظير ، وبنى صخرة بيت المقدس عقد عليها القبة ( 1 ) ، وبنى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، ووسعه حتى دخلت الحجرة التي فيها القبر فيه ( 2 ) ، وله آثار حسان كثيرة جدا ، ثم كانت وفاته في يوم السبت للنصف من جمادى الآخرة من هذه السنة ، قال ابن جرير : هذا قول جميع أهل السير ، وقال عمر بن علي الفلاس وجماعة : كانت وفاته يوم السبت للنصف من ربيع الأول من هذه السنة ، عن ست وقيل ثلاث وقيل تسع وقيل أربع وأربعين سنة ، وكانت وفاته بدير مران ، فحمل على أعناق الرجال حتى دفن بمقابر باب الصغير ، وقيل بمقابر باب الفراديس ، حكاه ابن عساكر . وكان الذي صلى عليه عمر بن عبد العزيز لان أخاه سليمان كان بالقدس الشريف ، وقيل صلى عليه ابنه عبد العزيز . وقيل بل صلى عليه أخوه سليمان ، والصحيح عمر بن عبد العزيز والله أعلم . وهو الذي أنزله إلى قبره وقال حين أنزله : لننزلنه غير موسد ولا ممهد ، قد خلفت الأسلاب وفارقت الأحباب ، وسكنت التراب ، وواجهت الحساب ، فقيرا إلى ما قدمت ، غنيا عما أخرت . وجاء من غير وجه عن عمر أنه أخبره أنه لما وضعه - يعني الوليد - في لحده ارتكض في أكفانه ، وجمعت رجلاه إلى عنقه . وكانت خلافته تسع سنين وثمانية أشهر على المشهور . والله أعلم . قال المدائني : وكان له من الولد تسعة عشر ( 3 ) ولدا ذكرا ، وهم عبد العزيز ، ومحمد ، والعباس ، وإبراهيم ، وتمام وخالد وعبد الرحمن ومبشر ومسرور وأبو عبيدة وصدقة ومنصور ومروان وعنبسة وعمر وروح وبشر ويزيد ويحيى . فأم عبد العزيز ومحمد أم البنين بنت عمه عبد العزيز بن مروان ، وأم أبي عبيدة فزارية ، وسائرهم من أمهات أولاد شتى . قال المدائني : وقد رثاه جرير فقال : - يا عين جودي بدمع هاجه الذكر * فما لدمعك بعد اليوم مدخر

--> ( 1 ) ابن خلدون المقدمة ص 282 . ( 2 ) كان بناء المسجد في عهد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بسيطا - فناء ضيق يحيط به جدار من اللبن - وفيه مكان واحد مسقوف يغطيه الجريد المثبت على جذوع النخل ، في أيام أبي بكر لم يزد فيه شيئا وفي أيام عمر فقد وسعه بأن أطال جداره وادخل فيه بعض الدور ، وفي أيام عثمان هدمه وأعاد بناءه وجعل عمده حجارة وسقفه بالساج . وكلف الوليد عامله عمر بن عبد العزيز بهدمه وبنائه وزاد فيه حجر أزواج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) مع احتفاظه بطابع المسجد الأصلي وشق فيه الأروقة والمحراب وبنيت المقصورة وفتحت فيه الأبواب وأقيمت عليه الآذن . ( 3 ) في مروج الذهب 3 / 192 : أربعة عشر . وانظر المعارف لابن قتيبة ص 157 .